عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

80

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى قوله « إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ » ] قالت المعتزلة : قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ إشارة إلى أنّه لما كان موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء ؛ امتنع أن يأمر اللّه به ، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه فحشا مغايرا لتعلق الأمر والنّهي به . والجواب : لما ثبت بالاستقراء أنّه تعالى لا يأمر إلّا بما يكون مصلحة للعباد ولا ينهى إلا عمّا يكون مفسدة لهم ، فقد صحّ هذا التّعليل . قوله : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ والمعنى أن قولكم : إنّ اللّه أمركم بهذه الأفعال إمّا لأنكم سمعتم كلام اللّه تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي عن الأنبياء . أما الأول : فباطل بالضّرورة . وأما الثاني : فباطل على قولكم لأنّكم تنكرون نبوّة الأنبياء على الإطلاق لأن هذه المناظرة مع كفّار قريش ، وهم كانوا منكرين أصل النّبوّة ، وإذا كان كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام اللّه تعالى ، فكان قولهم : إنّ اللّه أمرنا بها قولا على اللّه بما لا يعلمون ، وإنّه باطل . قوله : ما لا تَعْلَمُونَ مفعول به ، وهذا مفرد في قوة الجملة ؛ لأنّ ما لا يعلمون ممّا يتقولونه على اللّه - تعالى - كلام كثير من قولهم : « وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها » كتبحير البحائر وتسييب السّوائب ، وطوافهم بالبيت عراة إلى غير ذلك وكذلك حذف المفعول من قوله : « أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ » . فصل في دحض شبهة لنفاة القياس استدلّ بهذه الآية نفاة القياس ؛ لأنّ الحكم المثبت بالقياس مظنون غير معلوم وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذّمّ : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وقد تقدّم جواب عن مثل هذه الدلالة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 29 ] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) قال ابن عبّاس : أمر ربّي ب « لا إله إلا اللّه » لقوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ إلى قوله : قائِماً بِالْقِسْطِ « 1 » [ آل عمران : 18 ] . وقال الضحاك : هو بالتوحيد . وقال مجاهد ، والسّدّيّ : بالعدل « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 48 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 464 ) عن مجاهد والسدي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / -